Colors Style

Click to read watan news Click to read economy news Click to read sports news
 
 
   كتاب الوطن
  الصفحات : 
تقييم المقال
أكثر من روائي
 
ضيف فهد


لعل حقل الرواية أكثر الحقول التي لا تحتاج موهبة من نوع خاص، ولا تشترطها، هناك أسماء كثيرة كتبت، دون تجربة سردية مسبقة، أعمالا واستحقت الخلود، لكنها أسماء حققت شرط «أكثر من روائي»، لا يولد الإنسان روائيا، هو يصبح كذلك. لكن من الوارد أن يولد رساما، أو شاعرا، أو موسيقارا.. فالرواية إذن هي ميل متأخر للحكي، لصناعة عالم موازٍ من صنع الراوي، ومن المعلوم أن الصناعة، أي صناعة، تحتاج إلى استحضار كامل للوعي والإرادة والقصد، وهي أمور تتنافى مع الحالة الإبداعية، تلك التي تتولد بضربة خاطفة من الإلهام.. على هذا الأساس من الحتمي أن يكون الروائي، أكثر من روائي، كي يتمكن من بناء هذا العالم بطريقة محكمة.. عليه أن يكون فيلسوفا قبل كل شيء، ولو تعذر مثل هذا الأمر، عليه أن يكون مفكرا، يمتلك اختصاصا، أو على أقل تقدير عليه أن يكون مطلعا بشكل يفوق أي عمل إبداعي آخر على حقل علمي أو اجتماعي، بحيث يتمكن عند إنشاء هذا العالم السردي من إضافة أمور تجبر على التوقف والتفكير، أو سوف يكون عمله في النهاية مسودة طويلة من اللاشيء، قد يتوهم أنه خلق عالما متخيلا، لكنه بالتأكيد عالما يفتقد إلى العمق، مسطح ولا يخبر عن شيء. العمل السردي ليس معرفيا هذا أمر لا يمكن الجدل حوله، لكنه يجب ألا يفتقد إلى الخلفية المعرفية، تلك التي لا تظهر في التفاصيل، إنما تربطها، تعمل في الخفاء أثناء تركيب العمل ونموه وتطوره، وهو أمر لا نكاد نلمسه في أغلب ما يطرح في موضة الروايات العربية الجديدة، مسودات طويلة لا تقول ولا تخبر عن شيء، بالطبع يجب أن يتوافر الميل للكتابة في هذا النوع، بالإضافة إلى الإتقان الذي يكون نتاجا طبيعيا لقراءة كثيفة ومستمرة وتعليمية لو لزم الأمر للعلامات الروائية البارزة في هذا المجال. وباستعراض أهم وأعظم الأسماء الروائية العالمية، نكتشف ذلك الجانب المعرفي، المستودع، المخزن الذي يستدعي منه تلك الإضافة المعرفية أو الفلسفية التي لا بد وأن توجد داخل العمل السردي ليستحق قيمته، مؤلف أنا كارنينا والحرب والسلام الروائي العالمي الروسي ليو تولستوي كان مصلحا اجتماعيا، وفيلسوفا أخلاقيا قبل كل شيء، أثر كتابه «مملكة الرب داخلك» المعبر عن أفكاره النابذة للعنف والداعية للمقاومة السلمية، على مصلحين اجتماعيين كبار على مستوى العالم أمثال مارتن لوثر كينج، والمهاتما غاندي. جوستاين غاردر فيلسوف وكاتب نرويجي، كاتب «عالم صوفي» المترجم إلى ثلاثة وخمسين لغة وطبع منه ثلاثين مليون نسخة، وتعتبر مدخلا روائيا إلى علم الفلسفة، وكاتب الرواية العظيمة الأخرى وإن كانت الأقل شهرة «مايا» بتلك الحمولات المعرفية عن الكون والوجود والوعي. ميخائيل بولغاكوف الروائي الروسي كاتب الرواية العظيمة «المعلم ومارغاريتا» كان طبيبا.. ميلان كونديرا التشيكي الفرنسي، مؤلف الخلود والبطء والمزحة، وأعمال روائية عظيمة أخرى، يمكن تصنيفه على أنه فيلسوف قبل أن يكون روائيا.. والقائمة طويلة، إذ قل ما تجد روائيا مهما دون أن يكون له خلفية معرفية في تخصص أو عديد من التخصصات، التي تضيف ذلك العمق الذي لابد وأن يتوافر عليه أي عمل روائي يستحق القراءة والخلود، بالطبع مثل هذا الاشتراط لا يمكن تطبيقه على الشعر مثلا، أو على – وإن بدرجة أقل- القصة القصيرة.. إذ أن الموهبة وحدها كفيلة بأن تُنجح النص الشعري أو القصصي القصير، لكن لا يمكن لأي موهبة أن تنجح عملا روائيا دون أن يكون الكاتب نفسه مستعدا بزاد معرفي أو تعليمي أو اطلاع متخصص ودقيق يستطيع من خلاله صنع تلك الأرضية والعمق الذي لا غنى عنه.

فهد ضيف

تم النشر في: 15 May 2016
 



جميع الحقوق محفوظة لجريدة الوطن القطرية ©
تصميم و برمجة: