Colors Style

Click to read watan news Click to read economy news Click to read sports news
 
 
   كتاب الوطن
  الصفحات : 
تقييم المقال
المصالحة الوطنية.. ماذا تعني؟
 
سمير حمدي
عرفت عديد البلدان أثناء فترات انتقالها الديمقراطي جهدا لتحقيق مصالحات وطنية من أجل مجاوزة الماضي بمخلفاته الدامية وبما شهده من تجارب مأساوية وانتهاكات لحقوق الإنسان. فالمصالحة الوطنية الشاملة هي إحدى لوازم أي انتقال ديمقراطي سليم من خلال هيئات دستورية بعيدا عن منطق الانتقام والثأر والتشفي. وإذا كانت بعض التجارب قد حققت نجاحات لا يمكن إنكارها فإن دولا أخرى لم تكن محاولاتها للمصالحة الوطنية غير مناسبة لتصفية الحساب مع الخصوم دون مراعاة الشروط والضوابط الضرورية التي تجعلها تحقق أهدافها الكبرى ونعني بها تحقيق مزيد التماسك المجتمعي وبناء دولة الحقوق والحريات خارج كل الحسابات السياسية الضيقة التي قد تحول المضطَهَدين السابقين إلى جلادين لخصومهم.

وفي المنطقة العربية عرفت المغرب أولى التجارب في هذا المجال حيث تأسست «هيئة الإنصاف والمصالحة» بداية من يناير 2003 وكان من مهامها الأساسية إثبات نوعية ومدى جسامة الانتهاكات الماضية لحقوق الإنسان و«الوقوف على مسؤوليات أجهزة الدولة أو غيرها في الانتهاكات» ومن ثم «التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بالضحايا» وبغض النظر عن مُخرجات هذه الهيئة بالنظر إلى صعوبة إيجاد حالة من الرضا التام على عملها فقد شكلت محاولة جدية لإنجاز مصالحة فعلية ومجاوزة كل أشكال الانتهاكات الماضية. وفي المقابل كانت التجربة العراقية تسير عكس المطلوب منها فقد رفعت الهيئة المنوط بها مراجعة الماضي شعار «اجتثاث البعث» وحملت تسمية غير عادلة وهي «الهيئة الوطنية لاجتثاث البعث» قبل أن تتحول إلى «هيئة المساءلة والعدالة» حاليا وقد تعاملت هذه الهيئة بمنطق انتقامي واضح ومما ورد في التقرير الصادر عن المركز الدولي للعدالة الانتقالية في توصيف عملها بأن «عملية اجتثاث البعث كانت مدفوعة بدوافع حزبية إلى حد كبير وإلى حد غير ضروري، كما كانت عملية خلافية ومعيبة وغير فعالة» بمعنى أنها قد أفضت إلى عكس المقصود منها فقد تحولت إلى جهاز يخلق عداوات بين الفئات الاجتماعية ويؤجج حالات الصراع الطائفي والسياسي أكثر مما يدفع نحو المصالحة والحوار المجتمعي المثمر.

وتعرف تونس بعد الثورة جهدا واضحا نحو خلق هيئات دستورية من أجل إعادة الاعتبار لضحايا انتهاك حقوق الإنسان قبل الثورة وكان أن تشكلت «هيئة الحقيقة والكرامة» بوصفها كيانا قانونيا من مهامه تلقي شهادات الضحايا والبحث في التعويض المناسب لهم والأهم الدفع نحو منع تكرار مثل هذه الانتهاكات تحت أي مبرر. وتعاني الهيئة من تجاذبات القوى الحزبية خاصة بعد صعود قوى سياسية محسوبة على النظام السابق إلى الحكم والتي ترغب في لملمة موضوع الانتهاكات بدعوى أن الدولة لا تتحمل إثارة قضايا ونزاعات حصلت في الماضي.

إن المصالحة الوطنية بمعناها الحقيقي هي شرط لازم لكل بناء ديمقراطي سليم بعيدا عن كل حسابات سياسية ضيقة أو تحالفات حزبية مرحلية وإذا كان تنازل الضحايا عن حقهم في معاقبة الجلادين يظل أمرا ممكنا من الناحية السياسية فإنه من غير المنطقي التغاضي عن كشف الحقيقة وتحميل كل طرف مسؤوليته من ناحية قانونية وأخلاقية وإلزامهم بالاعتذار للمجتمع. ومما يُذكر في هذا السياق أن الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيغوفيتش عندما طرح عليه سؤال هل ستكون هناك أعمال انتقامية ضد الذين أساؤوا إليه وإلى الشعب زمن الحكم الشيوعي فأجاب «لقد سامحتهم كسياسي ولكني لم أسامحهم كإنسان».



بقلم : سمير حمدي


تم النشر في: 17 May 2016
 



جميع الحقوق محفوظة لجريدة الوطن القطرية ©
تصميم و برمجة: