Colors Style

Click to read watan news Click to read economy news Click to read sports news
 
 
   اتجاهات ثقافية
  الصفحات : 
تقييم المقال
بقلم: د. سعاد درير : «الحسناء نوميديا» (1-2)
 
في كوخ حقير بعيد كل البعد عن المدينة وُلِدَتْ حسناء فاتنة. ومباشرة بعد رحلة المخاض العسير والولادة المتعسّفة تُوَفِّيتْ أُمُّ الحسناء.

بحزن جاثم في الصدر حمل «مَالْبُو» الأبُ الفقيرُ قطعةَ اللحم المولودة التي سماها «نُومِيدْيَا»، لَفَّهَا في منديل قطني، وشرعَ يبكي، يبكي متحسرا ملتاعا والدموع تكاد تتحول إلى بِرْكَةِ دَمٍ تملأ المكانَ الضيق.

كان الأبُ مالبو المسكين يبكي لسببين: السبب الأول لأنه فقد زوجته الحنون الصبور رفيقة روحه الوفية في رحلة كفاحه مع الحياة على امتداد سنوات زواجه الطويلة التي لم يُرْزَقْ فيها بطفل يُذْكَر إلا بعد انتظار طويل.. والسبب الثاني لأن قطعةَ اللحم الْمُكَوَّمَة في منديل التي هي المولودة الحسناء نوميديا سَتَتَجَرَّعُ اليُتْمَ وتكبر بدون أُمّ.





بعد مرور أيام أربعين حمل الأبُ الحزين قطعةَ اللحم التي هي ابنته نوميديا، وسافر بها عابرا القِفَار إلى المدينة الكبيرة حيث شاء القَدَرُ أن يعمل الأب المسكين حارسا لمنزل كبير ويرعى حديقته الممتدة على مساحة شاسعة.. وفي ركن من الحديقة كانت هناك غرفة مزدوجة هي التي كان يقيم فيها الأب مالبو مع ابنته.

كان مالبو يَتَدَبَّرُ كلّ أمور ابنته بمفرده دون أن يكون في حاجة إلى مساعَدة من أحد.. لكن، يوما بعد يوم، أصبح حمل المولودة نوميديا ثقيلا على الأب الذي لا حول له ولا قوة.

وهنا كانت بداية المأساة، لماذا؟ لأن الأبَ العاجز مالبو فكر في الزواج بامرأة تُخَفِّفُ عنه بعضَ الحمل وتضمُّ المولودةَ إلى صدرها.. وفعلا نَفَّذَ الأب مالبو الفكرةَ. وما هي إلا فترة قصيرة حتى دخل على مولودته الأنثى نوميديا بامرأة بعث في طلبها من أقاصي الريف في قريته البعيدة. فهل يا ترى كانت زوجة الأب هذه كما تمنى الأبُ؟!

تصوروا أن زوجةَ الأب هذه التي كانت تسمى فْرِينُودَا لم تكترثْ بابنة زوجها نوميديا منذ اللحظة الأولى التي تعرّفتْ فيها إلى المولودة. لكن هل كان هذا كل شيء؟! طبعا لا.. لقد كان هناك ما هو أسوأ، لماذا؟ لأن زوجة الأب اسْتَغَلَّتْ ضعف زوجها مالبو العاجز، فتمكنتْ من فرض سيطرتها عليه، وانظروا كيف أصبحتْ فرينودا تعامل الصبية نوميديا: لقد أصبحت تعاملها بمنتهى القسوة، وكلما كبرت نوميديا سنة بعد سنة ازدادت قسوةُ فرينودا عليها.. ولا تستغربوا عندما تعرفون أن أهم سبب جعل فرينودا تبالغ في القسوة هو أنها كانت تغار من جمال نوميديا المبهر وحُسْنِها الفَتّان. معقول! أجل، صَدِّقُوا، صَدِّقوا أن زوجةَ الأب القروية هذه كانت تغار من ابنة زوجها إلى حد بعيد، لاسيما وأن نوميديا بِقَدْرِ ما كانت تكبر كانت تزداد جمالا، بينما كانت فرينودا سيدةً شِبْه بشعة واهنة، وكأنها تتآكل تحت نار الحسد.

والآن انظروا: فهذا الأب مالبو يزداد عجزا وتقدما في السن فيفقد السيطرة على زوجته، وهذه فرينودا تَتَجَرَّعُ مرارةَ الغيرة والحقد الدفين على ابنة زوجها، وهذه نوميديا اليتيمة الحسناء تزداد فتنة وبهاءً بقدر ما تعاني من وَيْلات زوجة أبيها.

والنتيجة؟! كانت النتيجةُ دون توقع أحد، لماذا؟ لأن زوجة الأب فرينودا أَجْبَرَتْ نوميديا على العمل خادمة في المنزل الكبير، وما كان على الأب مالبو سوى الإذعان بحكم عجزه وكِبَر سنه وكِبَر مسؤوليته يوما بعد يوم.

تصوروا أن نوميديا أصبحت شابة، وظَلَّتْ كعادتها هادئة لطيفة مطيعة، مطيعة لزوجة أبيها الشريرة قبل أن تكون مطيعة لأصحاب المنزل الكبير الفخم.

هذا المنزل الكبير لم يكن يقطن فيه غير الثَّرِيَّين السيد «نِيتْشُو» صاحب الدار والسيدة «كُومَا» زوجته، بعد أن أرسلا ابنهما الوحيد «تِيرُودْ» للدراسة ثم العمل خارج البلاد منذ أكثر من عشر سنوات، أي عندما كان عمر نوميديا يقارب السبع سنوات.

لم يكن تيرود أقلّ حنانا في أسرته على أهل العجوز مالبو بما فيهم الصغيرة نوميديا التي كانت محببة إلى نفسه وهي تساعد أباها في أعمال السقي والغرس في الحديقة.. وكم ضحك تيرود يوم سقطتْ نوميديا وهي صغيرة في الحفرة التي كان يهيئها مالبو ليغرس فيها نخلة.

كذلك السيد نيتشو وزوجته السيدة كوما كانا يُقَدِّران بحق عملَ مالبو وتفانيه وإخلاصه لهما، فكانا يجزلان العطاء كلما حان موعد موافاة الأب مالبو بمستحقاته المادية، إذ كانت هناك دائما مكافأة يخبئها السيد نيتشو في جيب قميص الأب مالبو، وكانت هذه الرغبة الْمُلِحَّة في مكافأة الأب مالبو تَتِمُّ بإيعاز من السيدة كوما التي كانت ترى في نوميديا ابنتَها التي لم تَلِدْها، لماذا؟ لأن السيدة كوما مباشرة بعد ولادتها لابنها الوحيد تيرود خضعت لعملية استئصال الرحم بسبب ورم استفحل فيها وتسبب في نزف دم كثير، مع أن الورم كان حميدا وليس خبيثا كما ظن الأطباء للوهلة الأولى التي أجروا فيها كشفا على السيدة كوما.

لهذا كانت السيدة كوما تُحْسِنُ إلى نوميديا.. وبعد أن اضطرت الصغيرة نوميديا إلى مغادرة المدرسة ظَلَّت السيدة كوما حريصة على تخصيص أوقات تُدَرِّسُ فيها لنوميديا ما فاتها في المدرسة، وكانت نوميديا تصغي بتركيز، فاستوعبت الكثير وتميزتْ بذكائها وذاكرتها القوية.

تمرُّ السنين، ويمتلئ أكثر فأكثر قلبُ نوميديا الحزين، لماذا؟ لأن الشمطاء فرينودا تحترق غيرة من نوميديا وتحقد عليها أكثر فأكثر كلما قَرَأَتْ في عيون السيد نيتشو والسيدة كوما معنى الشفقة والعطف على نوميديا.

ولهذا شاء القَدَرُ أن يبلغ الحقدُ والحسدُ بفرينودا مبلغهما، فتحاول التنفيس عما يختلج في دواخلها من غيرة بالقسوة أكثر فأكثر على نوميديا، لاسيما وأن الأب مالبو أصبح عاجزا مُسِنًّا لا يقوى على إسناد نفسه.

فبينما كانت نوميديا تَصْنَعُ الخُبْزَ الذي تقوم بخبزه عن طريق تمديده على صفائح تضعها على أكوام من الحطب المشتعل كانت فرينودا الشمطاء تتأمل جَمال عيني نوميديا الكبيرتين العسليتين وكيف ترتفع رموشهما الكثيفة الطويلة وتنخفض كلما انحنتْ نوميديا واستقامتْ.

من سوء حظ نوميديا ذلك اليوم أنها ما أن انتهتْ من الخَبْز في الغرفة المقابلة لغرفة الأب مالبو قبل أن تستأنف رحلةَ عملها الدؤوب كخادمة في بيت السيد نيتشو والسيدة كوما حتى باغتَتْها الشمطاء فرينودا مزمجرة بصوتها وهي تعيب على نوميديا أرغفةَ الخُبْز التي بدا لها أنها قد نضجتْ أكثر من المطلوب وأن رغيفا كاد يحترق.. لم ترفع نوميديا صوتَها، وأخبرتها في هدوء أن الخبزَ طازج كالمعتاد، وطلبت منها تذوّق قطعة الرغيف المعيبة لتتأكد من سلامتها.

كانت نوميديا كلما أنهتْ عملية الخَبْز تأتي بإناءِ ماءٍ فترشّ ببعض القطرات منه ما تبقى من حطب مشتعل لتخمده، وكذلك فعلت نوميديا ذلك اليوم، لكن فرينودا القاسية القلب لم يرتحْ لها بال ولم تهنأْ حتى أهانت نوميديا كالمعتاد، وأكثر من هذا اتهمت ابنةَ زوجها نوميديا بأنها ترفع صوتها عليها، فما أن حاولت نوميديا الدفاع عن نفسها حتى صفعتْها فرينودا بقوة، ولن تصدقوا ما كانت النتيجة: لقد كانت الصفعة قوية إلى الدرجة التي أسقطتْ نوميديا، وخَمِّنُوا أين سقطتْ يا ترى! لقد سقطتْ نوميديا أرضا قريبا من موقد النار، وكان مصير عينيها الجذّابتين أن تلطختا بالرماد الساخن.. يا للهول! أَحَقًّا تجرَّأتْ زوجة الأب على فعلها؟! نعم، صَدِّقُوا ولا تستغربوا، فقد سقط وجه نوميديا على كومة الحطب الخامد، مما جعل الرمادَ الساخن يطفئ نور عينيها.

للتّوّ صدرتْ عن زوجة الأب ابتسامة ارتياح، بينما نهضتْ نوميديا وهي تنفض عنها الرماد محاولة التقدّم خطوة أو خطوتين، فما كان منها إلا أن تعثّرتْ وسقطتْ بعد أن لم تعدْ تبصر بالمرة.. عندها صرختْ نوميديا صَرْخَتَها المؤلمة التي وصل صداها إلى الأب مالبو الذي كان طريح الفراش.

هي شهقة وحيدة مختلفة شهقتْها نوميديا محاوِلة أن تكتم السّرَّ في قلبها رأفة بأبيها المريض وخوفا عليه بعد أن هرولتْ فرينودا الحقودة إلى العجوز مالبو متظاهِرة بالبكاء لتخبره بأن نوميديا قد تعثّرتْ في قطعة حطب صغيرة فسقطت أرضا ولامس وجهها الرماد فأكل الرمادُ ضوءَ عينيها.

ما هي إلا شهقة واحدة محمَّلة بالحسرة شهقها العجوز مالبو حتى فارق الحياة إلى الأبد لتصبح مأساة نوميديا مأساتين: مأساة فقدان نور عينيها، ومأساة فراق والدها إلى الأبد.

مضت الأيام بعد الأيام، صارت الشريرة فرينودا تهتم بالمهام التي كانت مُوكَلة سابقا إلى زوجها، بينما لازمتْ نوميديا ركنا في الغرفة المظلمة بعد موت أبيها كاتمة الحقيقة الْمُرَّة التي لم تَقْوَ على أن تصارح بها السيد نيتشو والسيدة كوما.. لكن، إكراما من السيد والسيدة، فقد كان مسموحا أن تظلَّ نوميديا في غرفتها المظلمة بعد موت أبيها، تأتيها فرينودا بين الفينة والأخرى ببعض الطعام الذي ترسله إليها خصيصا السيدةُ كوما.

مرة أخرى تشتعل فرينودا غيرة من المعاملة الطيبة التي كانت تعامِل بها السيدة ُكوما نوميديا الفاتنة العمياء.. فماذا تفعل فرينودا لتهدّئ من نار حقدها الدفين؟! تَصَوَّرُوا أن فرينودا كانت تحمل طَبَقَ الوجبة المخصَّصة لنوميديا من المنزل الكبير إلى الغرفة الموحشة، وانظروا ماذا كانت تفعل فرينودا في طريقها إلى غرفة نوميديا: لقد كانت الشريرة فرينودا تلتهم قطعةَ اللحم وتشرب ثلثي كوب الحليب، ثم تقدم لنوميديا طبق الخضر المسلوقة وفق النظام الغذائي الذي وصفه الطبيب للسيدة كوما بفعل ارتفاع نسبة الكوليستيرول في دمها.. معقول؟! هل تجرؤ زوجة الأب على فعلها؟! أجل، صَدِّقُوا ولا تستغربوا، والأسوأ من هذا كله أن فرينودا كانت تملأ ما تبقى من كوب الحليب بالماء حتى لا تستفيد نوميديا من تغذيتها.

تمضي الأيام على هذه الشاكلة، ويشاء القَدَرُ أن يفكّر الشاب تيرود ابن السيد نيتشو والسيدة كوما في العودة إلى البلاد ليستقر فيها بشكل دائم بعد أن أثبت نجاحَه المهني في بلاد قَصِيّة.

يعود الشاب تيرود، وما أن يُقَدِّمَ المقابلَ لسائق سيارة الأجرة التي استقلّها من المطار حتى يضع حقائبه جانبا ويتأهّب لمفاجأة والده ووالدته.. وفعلا يدخل الشاب تيرود الفارع الطول والشديد البياض، وما أن يصل الشابُّ إلى بهو المنزل الكبير حتى يجد والدَه السيد نيتشو منكفئا على جريدته يمسح بعينيه ما يُغريه من أخبار والسيجارةُ لا تفارق فمه كعادته، بينما تجلس إلى جانبه السيدةُ كوما، بخصلات شعرها البيضاء على مستوى مقدمة الرأس، وهي منشغلة بكرة الخيط والقضيبين الحديديين لإتمام صنع وشاح ترتديه في أيام البرد وفي الوقت نفسه تقتل بذلك العمل أوقات الملل.

ما أن يلمحهما الشابُّ تيرود ببذلته البيضاء الجميلة وقبعته السوداء الدائرية حتى يُصَفِّقَ بقوة معلنا قُدومَه ومؤكدا حضوره، فما أن يلمحه السيدُ والسيدةُ حتى يتسابق كل منهما إلى حضنه لضمّه ضمّات كثيرة عَلَّها تُعَوِّضُ سنوات الحرمان.

تطول فترةُ العناق وتبادل الأشواق، ويجلس الشاب الوسيم بين والديه مقتسما معهما ما لَذَّ وطاب من الحديث الذي يزداد حلاوة في الأوساط العائلية.. تمضي فترة طويلة جدا يقضيها الشاب تيرود بين حضني والديه، ثم يصعد إلى غرفته، يأخذ حماما ساخنا، وينزل لاحقا لِتَفَقُّد أرجاء المنزل الكبير وأركان الحديقة ركنا ركنا، وقبل الحديقة يتفقد أهل السيد مالبو.

يطرق الشاب تيرود طرقتين على باب غرفة مالبو، فلا يجيب أحد سوى صوت قَصِيّ واهن ينبعث لاحقا من الداخل وفيه نبرة حزن سائلا: «مَنْ؟»، يستغرب الشاب تيرود، ويبلغ به الفضول مبلغه ليعرف ما يحدث بالداخل. يتسلَّح تيرود ببعض الشجاعة ويدفع البابَ قليلا، فيتراءى له بصعوبة ظِلّ نوميديا القابعة في ركن جالسة على الأرض وقد ثَنَتْ ساقيها وعانقتْ بذراعيها ركبتيها بعد أن غَطَّتْ خصلاتُ شعرها الحريري الكستنائي الطويل وَجْهَها الأبيض الصغير.

رغم مرور أكثر من عشر سنوات، فإن الشاب تيرود تمكن من التعرف إلى نوميديا، وصاح في وجهها مذهولا: «أهذه أنتِ نوميديا»؟!

قفزت نوميديا واقفة ما أن استشعرت صوت رجل غريب في الغرفة، بينما ابتسم الشاب ابتسامة رضا عندما لمح جمالَ نوميديا الجذّاب.. لكن قبل أن يستسلم الشابُّ كليا لإحساسه بالرضا صَعَقَتْهُ الصّدمةُ حين لمح نوميديا تتحسَّسُ الحائطَ بيديها مُصَرِّحَةً بعماها.

تداخل عند الشاب تيرود الفرحُ والأسى: الفرح لرؤية نوميديا الشابة الحسناء، والأسى لرؤيتها عمياء بينما عيناها تقولان للقَمَر: «انْزِلْ لِأَحُلَّ مَحَلَّكَ».

(يتبع السبت المقبل بإذن الله)

 



جميع الحقوق محفوظة لجريدة الوطن القطرية ©
تصميم و برمجة: